ريمان برس -
تقرير وصفي وتاريخي /
إعداد المستشار عبدالغني اليوسفي
تعتبر المرتفعات اليمنية، بفضل تضاريسها الوعرة والأمطار الموسمية الغزيرة، بمثابة خزان مياه طبيعي يغذي شبكة معقدة من الأودية. تُشكل هذه الأودية شرايين الحياة التي تنحدر من قلب البلاد لتصب في البحار المحيطة، وتُقدم نموذجاً فريداً للتفاعل بين الجغرافيا والتاريخ البشري. يتناول هذا الفصل الجيولوجي والتاريخي مسارين مائيين رئيسيين: الأول يتجه شرقًا نحو خليج عدن والبحر العربي، والآخر غربًا نحو البحر الأحمر.
المسار الشرقي: من مرتفعات إب والضالع إلى خليج عدن
يُشكل هذا المسار شبكة هيدرولوجية معقدة تبدأ منابعها من المرتفعات الوسطى والجنوبية لليمن. تُعدّ جبال إب، والضالع، وصَبِر، والمنار، وأودية بعدان، والشعر، ومُشْوَرَة، وصَهْيَان، والعُود، وعَمَّار، نقاط انطلاق أساسية لهذه الأودية. تُغذي الأمطار الموسمية هذه الجبال، لتُطلق سيولًا قوية تُشكل روافد صغيرة تُعرف محليًا بـ**"السوائل"**.
تتجمع هذه السوائل الأولية، مثل سائلة الشعر، وسائلة الشناسي، وسائلة ميتم، وسائلة وراف، في نقاط التقاء محورية. أحد أهم هذه النقاط هو التقاء السيول القادمة من مرتفعات إب مع تلك القادمة من جبال الضالع في منطقة وادي ورزان، الذي يُعدّ بمثابة حوض تجميع رئيسي. لا يقتصر وادي ورزان على استقبال المياه من إب والضالع فقط، بل يضم أيضًا روافد أخرى قادمة من جبال صبر وسهول ماوية، ليُشكل بذلك أحد أكبر الأحواض المائية في محافظة تعز.
وادي تبن: النهاية العظمى للمسار
بعد أن تتجمع كافة الروافد في وادي ورزان، يتحد هذا الأخير مع وادي تبن، الذي يُعدّ أحد أطول وأهم أودية شبه الجزيرة العربية. يبدأ وادي تبن مساره من المرتفعات الشمالية لمحافظة لحج، ويُشكل نقطة التقاء تاريخية مع وادي ورزان في منطقة العند. يواصل الوادي مساره جنوبًا عبر محافظة لحج، ثم يدخل إلى محافظة عدن ليصب في خليج عدن، الذي هو جزء من البحر العربي. ينقسم الوادي عند وصوله عندى منطقة" بئر أحمد" في عدن إلى فرعين: أحدهما يمر عبر منطقة الحسوة ليصب بالقرب من مدينة إنماء الجديدة، والآخر يتجه شرقًا ليصب في منطقة العلم على ساحل أبين.
تاريخيًا، لعب وادي تبن دورًا حيويًا في تشكيل الاستيطان البشري في المنطقة، حيث كانت ضفافه الخصبة تُشكل مهدًا للزراعة والحضارات القديمة التي ازدهرت بفضل وفرة المياه التي يوفرها.
المسار الغربي: من المرتفعات الوسطى إلى البحر الأحمر
على الجانب الآخر من المرتفعات، تتجه مجموعة أخرى من الأودية نحو الغرب، لتصب في البحر الأحمر. يُعدّ وادي زَبِيد أبرز هذه الأودية وأكثرها أهمية، وهو ليس مجرد مجرى مائي، بل نظام هيدرولوجي متكامل يتكون من روافد متعددة تأتي من مناطق مختلفة.
تُغذي وادي زبيد روافد قادمة من المرتفعات الوسطى، مثل أودية العُدَين، وعَنَّة، والسَّحُول القادم من شمال إب. كما يستقبل مياه أودية بعدان من غَرْبان والمَنار، وأودية جبل حُبَيش والنَّجَارِي والمَخَادِر، ووادي بَرْقِين، ووادي شَيْعَان، وجُوَار القادمين من بني مسلم في غرب يريم. بالإضافة إلى ذلك، تساهم أودية القَفْر القادمة من عُتْمَة ومَغْرِب عَنْس، والأودية النازلة من شرق وَصَابِين، في تغذية هذا الوادي العظيم.
تتجمع هذه الروافد في المضيق الواقع بين جبل رأس ووصاب، لتنطلق في مسار موحد نحو مدينة زَبِيد التاريخية. تُشكل مياه هذا الوادي شريان الحياة الرئيسي للمدينة، وتُسهم في خصوبة أراضيها الزراعية. بعد ذلك، يواصل الوادي طريقه نحو الغرب ليصب في البحر الأحمر عند ساحل الفَازَة.
يُعدّ وادي زبيد مثالًا كلاسيكيًا على كيفية تأثير الجغرافيا في صياغة التاريخ البشري، حيث ساهمت خصوبة أراضيه في ازدهار مدينة زبيد، التي كانت في يوم من الأيام مركزًا علميًا وتجاريًا هامًا في المنطقة.
في الختام، تُظهر هذه المسارات المائية كيف تُحدد الجغرافيا الهيدرولوجية ملامح الحياة في اليمن، وتُشكل شبكة من الترابط بين الجبال والسهول والبحار، وتُحكي قصصًا تاريخية عن كيفية تفاعل الإنسان مع بيئته الطبيعية. فهل تتخيل كيف كانت هذه الأودية مصدر إلهام للشعراء والرحالة عبر العصور؟
جيولوجيا المرتفعات اليمنية: حوضان مائيان عظيمان
تُعدّ المرتفعات الوسطى والجنوبية لليمن من المناطق ذات النشاط الجيولوجي القديم، الذي أدى إلى تشكيل تضاريس معقدة وعرة. تعود هذه التكوينات الصخرية في معظمها إلى العصر الكريتاسي (Cretaceous) والباليوجين (Paleogene)، حيث تتكون الجبال من صخور رسوبية بركانية مثل البازلت (Basalt) والأنديزيت (Andesite) التي تآكلت على مدى ملايين السنين لتشكل الأودية والخوانق العميقة. هذه الطبيعة الجيولوجية هي التي خلقت حوضين مائيين رئيسيين يحددان مسار الأودية في اليمن: حوض خليج عدن وحوض البحر الأحمر.
الحوض الشرقي: وادي تبن ووادي ورزان
يقع هذا الحوض المائي في المنطقة التي تتجه فيها الأودية شرقًا وجنوبًا نحو خليج عدن. تُعدّ المرتفعات التي تغذي هذا الحوض، مثل جبال إب والضالع وصَبِر، جزءًا من المرتفعات الغربية اليمنية، وهي نتاج حركات تكتونية قديمة رفعت هذه الكتلة الأرضية. تتميز هذه المنطقة بتكوينات صخرية قوية، تُسهم في حفر الأودية عميقًا، مما يؤدي إلى تشكيل مجارٍ مائية ذات انحدار حاد.
وادي ورزان: يتكون الوادي من تجمّع روافد من مناطق جيولوجية متنوعة. على سبيل المثال، تأتي السيول من مرتفعات إب وتحديدًا من صخور الحجر الجيري (Limestone) والطبقات البركانية، بينما تأتي روافد أخرى من مناطق الضالع الغنية بالصخور البركانية القديمة. يُشكل التقاء هذه الروافد في ورزان حوضًا هيدرولوجيًا كبيرًا يُعدّ نقطة انطلاق للمياه نحو البحر العربي.
وادي تبن: يُعدّ وادي تبن جزءًا من نظام هيدرولوجي أوسع. تُشير الدراسات الجيولوجية إلى أن حوض الوادي يتكون من طبقات رسوبية رملية وحصوية ناتجة عن التعرية، بالإضافة إلى تكوينات صخرية بركانية قديمة. يُشير مساره المتعرج عبر السهل الرسوبي في لحج وعدن إلى عمليات جيولوجية معقدة، حيث كان الوادي يغير مساره عبر العصور، تاركًا وراءه سهولًا خصبة تُعرف بـ**"سهل تبن"**.
الحوض الغربي: وادي زَبِيد
يُشكل هذا الحوض نظامًا جيولوجيًا مختلفًا يتجه غربًا نحو البحر الأحمر. تتكون التكوينات الجيولوجية في هذه المنطقة من الصخور البركانية القديمة التي تشكلت نتيجة للانفصال التكتوني الذي أدى إلى تكون البحر الأحمر. يُعرف هذا الانفصال بـ**"الأخدود الأفريقي العظيم"**، وتعتبر المرتفعات اليمنية جزءًا من هذا النظام الجيولوجي.
وادي زَبِيد: يتميز هذا الوادي بأنه يُغذَّى من روافد تأتي من مرتفعات تضاريسها شديدة الانحدار. تُسهم الصخور البازلتية في جبال العُدَين ويَرِيم في سرعة جريان المياه وقوة التعرية. عندما تصل السيول إلى السهل الساحلي، فإنها تُشكل دلتا رسوبية غنية بالطمي، وهو ما أدى إلى خصوبة أراضي مدينة زَبِيد والمناطق المحيطة بها. تُشكل هذه الرواسب الطينية التي حملتها السيول عبر آلاف السنين طبقة جيولوجية غنية بالمعادن، مما يجعلها مثالية للزراعة.
تُظهر هذه الخصائص الجيولوجية كيف أن طبيعة الصخور، والانحدار، والحركات التكتونية، قد شكلت ليس فقط مسارات الأودية، بل أيضًا نمط الاستيطان البشري والنشاط الزراعي في اليمن. |