ريمان برس -
عدت من تعز للقرية و واصلت فيها مسيرة حياتي الطفولية رعوي يتمرعي بالأرض وطالب يدرس في مدرسة الشهيد عبد الرحمن مهيوب أنعم، التي تعرفت فيها على جيل من شباب القرية والقرى المجاورة، جيل كان له ولايزل دورا في التحولات الوطنية، إذ أجد اليوم أطفال وطلاب تلك المرحلة الزمنية، قد تأهلوا وتخرجوا من جامعات وطنية وعربية ودولية، وأصبحوا يحتلون مواقع متقدمة داخل الجهاز الأداري وفي مفاصل الدولة، وداخل مفاصل مؤسسات القطاع الخاص، و فيهم من شغل مناصب سيادية فنجد فيهم الوزير والنائب والوكيل، والدكتور والمهندس والأستاذ والقاضي ورجل الأعمال والاعلامي والسفير، ومنهم من اغترب وأصبح له اسم ومكانة في دول الاغتراب وداخل وطنه وقريته التي لم ينساها.
لكن وقبل الاسترسال عن ذكرياتي الدراسية وعن المدرسة وعلاقتي بأقراني من الطلاب.. دعوني أعود إلا لحظات اتذكرها وعشتها مع والدي _رحمة الله تغشاه _لحظات اتذكرها وعالقة في ذاكرتي لكني عاجز عن تحديد أوقاتها و زمانها، منها ما يتصل بمرافقتي الدائمة لوالدي أثناء (قرأته للموالد النبوية) وكان اهل القرى كثيرا ما يقيموا( الموالد) في أعراسهم وفي أحزانهم، وعند أرتزاقهم المواليد الجدد وفي المناسبات الدينية مثل ذكرى مولد النبي صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، وفي أحياء ليلة النصف من شعبان _ الشعبانية _ وكذا أحياء جمعة رجب، وذكري الإسراء والمعراج_ الرجبية _ وفي كل هذه المناسبات كان أهالي القرى يطلبوا والدي لقرأة الموالد النبوية في منازلهم، وكأن من يقيم المناسبة يعزم كل اهل قريته والقرى القريبة من قريته ويقيم وليمة عشاء يذبح فيها _ كبش، أو عجل _حسب إمكانياته، أو يعشي ضيوفه بوجبة (نشوف، أو الشجور ) وهي وجبات قروية خاصة، تتكون من القمح البلدي والسمن البلدي والحليب والبعض يضيف لها العسل وهي وجبات تراثية في قريتي والقرى المجاورة، تجهل اليوم الكثير من نسائنا وبناتنا طرق اعدادها، كما يوفر مقيم المولد (القات) للضيوف، وكانت الولائم هذه تقام بحسب إمكانية صاحبها، كان أكثر من يقيم ( الموالد) أهالي (قرية العتمي) و (قرية الأعدان) من أصدقاء والدي، وأيضا أهالي (قرية نطق) وأهالي ( قرية النوبة) وأهالي (قرية قبر الجاهل) و( قرية وادي إلأحروز، أو السكارنة) في ( قرية العتمي) كان المرحوم سعيد عبد الله _ رحمه الله_ وكان يلقب من قبل اهل القرية ب ( سعيد محماة _) والسبب شائعة اطلقوها عليه اهل القرية بأنه حصل على ( كنز داخل حلة فخارية) وأهل قريتي يطلقون على هذه الحلة ب(المحمأة) لأنها كانت تستخدم في مطابخ القرى لتسوية الطعام وخاصة اللحومات، أو لتذويب (السقاء) أو الزبده التي تخرج من حليب الأبقار وبواسطة هذه الحلة الفخارية المحمأة يتحول ( السقاء الي سمن) كان المرحوم سعيد عبد الله يقيم من وقت لأخر مولد في منزله، وكأن والدي هو الفقيه المفضل لديه، وفي ( قرية الأعدان) كان المرحوم مقبل غالب وإخوانه محمد غالب، وعبد الله غالب، يقيمون ( الموالد) وأيضا كان الأخوة المرحومين سيف، وشائف، وعلى عبد الله قاسم، وكذا المرحومين، محمد احمد زائد وإخوانه، محمد زغير، وثابت أحمد، وفي ( قرية نطق) كان اخوالي من آل ثابت بن ثابت في ( قرية العصرة) كان الإخوال وهم _ اولاد عم والدتي _قائد أحمد ثابت، وإخوانه محمود أحمد، وعبد العزيز احمد، وسلام أحمد الذي كان عائيش في (محافظة أبين) في جنوب الوطن وكان يسافر بالمناسبات، وهناك اخوالي شائف درهم، وعبد الرزاق درهم، وعبد الرقيب درهم، رحمهم الله جميعا، وحفظ الله الخال عبد العزيز احمد واطال بعمره الذي حزن وحزنا جميعا مؤخرا بوفاة ولده أحمد عبد العزيز احد كوادر _ قناة اليمن اليوم_ في القاهرة_ الذي توفي قبل فترة رحمه الله واسكنه فسيح جناته، كما كان هناك في قرية نطق على سلام وولده عبد الخالق، وجدي هزاع وأولاده عبد القادر، وعبد اللطيف، وجدي هزاع كان عم والدي وشقيق جدي لابي من الأم، وفي (قرية النوبة) كان الحاج أحمد سعيد وولده على أحمد سعيد، وفي ( قرية قبر الجاهل) كان الأخوين سعيد عماد ومحمد عماد _رحمة الله تغشاهم، وفي ( وادي إلأحروز) كان المرحوم سلام على وأولاده،وعمي شقيق والدي من أمه محمد عثمان قاسم _حفظه الله واطال بعمره _.
من نوادري في هذه اللقاءات الروحانية إننا ذات مساء ومولد في ( قرية الإعدان) المجاورة وفي منزل المرحوم علي عبد الله قاسم، وأثنا ما كنا نتناول ( وجبة العشاء) وكانت التقاليد أن يكون هناك ( مادبة للكبار) ومادبة منعزلة للأطفال وغالبا ما كان طعام العشاء يقدم للأطفال قبل الكبار، المهم وأثناء ما كان المرحوم سعيد أحمد زائد يوزع أو (يسهم الأطفال اللحمة) مد يده فحسبته يقصدنا فمديت له يدي لكنه تركنا وقدمها للي بجواري فشعرت بخجل ومرارة فبكيت وقمت من على المائدة واربكت عباد الله وأهل البيت والضيوف خره والدي يسألنا عما حدث ولم اجيب على سؤاله فقط ابكي واردد كلمة اشتي اروح عند امي..؟!
فشل والدي _رحمه الله _في اسكاتي وإقناعي وارتبش المرحوم سعيد أحمد وحكي لوالدي سبب القصة خرج عمي محمد سعيد _رحمه الله _ يحاول إسكاتي وتهديتي وما فيش فائدة، فدعا عمي لولده عبده محمد وطلب منه أن يروحنا البيت، عبده بن عمي يشتي يجلس في المولد ويلعب مع أصحابه وكان أكبر مني، لكنه خضع حين قال له عمي روح طه ورجعت واعطاه (الليت) وفعلا روحنا البيت ولكن طول الطريق كان يتذمر مني ومن موقفي وانا صامت ولا كلمة خائف لو نطقت وقلت كلمة يقوم يضربنا..؟!
الرحمة والخلود في جنات الفردوس الأعلى لكل من ذكرتهم وقد أصبحوا جوار ربهم، والحفظ وطول العمر والصحة والسلامة لكل الأحياء ممن ذكرتهم في هذه الحلقة.
يتبع |