ريمان برس -
خلال مرحلة طفولتي بقريتي ترعرعت بكنف ( ابي وامي)، وما أن بدأت أتمكن من السير كنت ارافق والدي كظله سوي في زيارته لأصدقائه في قريتنا والقرى المجاورة أو زيارته ( لأمه جدتي رباب) في (السكارنة أو وادي الاحروز) كما كنت رفيقه في التسوق سوي الي سوق وادي (الزبيرة) أو (سوق الثلاثاء)، وبدأت على يديه تعلم القرآن وحفظه حتى قبل أن يلحقنا بالكتاب، طبعا في طفولتي كنت بلغة قريتي (أقرد) أي اختصر بعض الحروف عندما اتكلم واتذكر وانا احفظ ( سورة العلق) كنت اتلوا اخر اياتها ب ( أسدد واتلب) ورويدا رويدا حتى راحت مني هذه _ اللوثة_ وأصبحت شديد الرغبة في القرأة، وكنت أتلهف لقرأة اي شي امامي، وكثيرا ما كان فضولي للقرأة يزعج _ أبي _ رحمه الله _ خاصة قرأة كتبه التي كان يضعها ب( طاقة الغرفة) أو في ( الصندوق الخشبي) التي تسمى بلغة قريتي ب (السحارة) كان والدي يرتاح حين يجدنا اقراء القرآن، لكنه لم يكن يريدنا أن اقراء في تلك الكتب التي يحتفظ بها، وحين كبرت وبدأ فضولي يتسع لمعرفة محتويات تلك الكتب، اضطر _رحمه الله _ ان ينقل بعضها الي ( مسجد القرية)، كنت تقريبا قد بلغت السابعة من عمري حين قررنا ذات يوم ان نروح نسبح ب(بركة المسجد) وحين وصلنا للمسجد سمع اصحابي صوت والدي وهو عائد من ( الهيجة) كان يصلح فيها ما خربه السيل، فهربوا وتركونا وحدي، كان والدي يؤذن في المسجد للصلوات الخمس، وكأن الوقت عصرا، لم اسبح ببركة المسجد، بل اخذت وضوء ودخلت صليت العصر قبل الآذان، ورحت اتفاقد نوافذ المسجد وامتدت يدي لكتاب فاخذته وفي إحدى زوايا المسجد رحت اقلب صفحاته، ثم فجأة دخل والدي وشاهدنا وشاهد الكتاب الذي بيدي فاخذه مني وأعاده، صلى وصليت معه للمرة الثانية، وعدنا للبيت، ظليت متشوق لمعرفة ما في ذلك الكتاب ولماذا ( ابي) لا يريدنا أن اطلع عليه، طبعا بعد خروجنا من المسجد ظل والدي يعطينا دروس في ضرورة وأهمية أن اداوم فقط على قرأة القرآن وان لا انشغل بأي شيء غير تلاوة كتاب الله، وان هناك كتب قد أجدها لا يجب أن اهتم بها، ولا انشغل بما فيها.. لكني ظليت افكر بالحكاية وفعلا في اليوم التالي وكنت اقرا عند الفقيه ناشر محمد العريقي _رحمة الله تغشاه _ بكرت على اساس اننا ذاهب عند الفقيه لكني اختبأت ب( المقروض) ولم أذهب للقراة عند الفقيه، ساعة أو أكثر قضيتها في مخبىء خرجت بعدها واتجهت إلى المسجد متشوق معرفة ماذا في ذلك ( الكتاب)؟ لكني للأسف لم أجد ما كنت أبحث عنه، في الظهر عدت إلى البيت قابلتني ( امي) رحمها الله بابتسامة عريضة وترحيب حار _وااااني فداء الْمَعلميِ حقي أدخل) فقلت بنفسي الحمد لله لم يعرف احد بغيابي عن الفقيه، لكني ما أن تجاوزت (أمي) كي اضع مصحفي والكيس حتى أخرجت من تحت الحصيرة _رخطة _ والرخطة مجموعة من أغصان الشجر تثني مع بعضها وكل خبطة منها تعادل ضربة_ سوط من سياط جلادي الحجاج ابن يوسف الثقفي _ كان صراخي يدوي بكل القرية، وكانت عمتي (مسك سعيد) زوجة عمي محمد ووالدة الأخوة د. منير والأخوة نظير، وبكير، والياس، ومنيب، اولاد عمي محمد طالعة من عند السقاية محملة ( بتنكة الماء) يؤمها كنا لانزل نجلب المياه داخل ( تنك معدنية) كانت تأتي ( مليئة بالجاز) الذي يستخدم للإنارة، وبعد أن يكمل منها الجاز كانت تنظف وتنشف وتستخدم لجلب المياه، القت عمتي _حفظها الله واطال بعمرها _بالتنكة من راسها ودخلت مسرعة للغرفة وفرعت عني من غضب امي وانقذتنا من ضربها..
لم أعرف يوما أن والدي قد ضربنا غير مرة واحدة وقدنا شاب حدث هذا في مدينة الحديدة حين وجه لي صفعة كانت الأولى والأخيرة منه _رحمه الله _ لكن والدتي رحمة الله عليها كانت هي من تحملت مسؤلية تربيتي انا واخواني عيال وبنات، وكنا ثلاثة أولاد هم الاستاذ (ياسين) أخي الأكبر وهو (كفيف البصر) وقد فقد بصره بعد ستة أشهر من ولادته، ورغم ذلك هو الوحيد الذي درس وتخرج من الجامعة _دراسات إسلامية _ وعمل في سلك التدريس _حفظه الله واطال بعمره _ وانا وأصغرنا اخي ( عبده) _موظف _حفظه الله ورعاه، وإلى جانبنا واربع خوات، وكل ما يتعلق بشؤننا كان من اختصاص أمي _رحمها الله _وكانت الغلطة منا تواجه منها بسيل من ( الصفعات، والملاطيم، والرفس عند الاقتراب، والرجم لمن هرب، والعصاء لمن تجاوز سن العاشرة) رحمة الله تغشاها وتسكنها جنات الفردوس الأعلى، وكل شيء يهون عندها إلا أن تكذب الكذب عندها عقابه عسير، و( المحتار) بعد الضرب _أي الزعلان _ يحرم من الطعام وغداه (المركب والغسال.. المركب حجرة نسحق بها السحاوق، والغسال هو الماء الذي تغسل به الأيادي بعد تناول وجبة الطعام _رحمها الله وغفر لها واسكنها جنات الفردوس _.
كنت رفيق (أمي) حين تذهب لزيارة (جدي عبده) والدها في ( قرية نطق) أو تزور أخوالي عبد الحافظ، وشائف في (قرية الرجيمة) أن سافروا بالمناسبات ، كما كنت ارافقها حين تزور أعمامها وعيال اعمامها في ( قرية العصر بنطق) ، وكنت أتباهي بأمي وهي لابسة ( القميص التبيت) أو قميص (الدمس المطرز بخيوط ذهبية ذو الاكمام الواسعة) وهو الزي الذي انقرض من تراثنا في الريف والمدينة، وعلي صدرها (المرية الفضة)، وتطوق رقبتها باللازم الفضة ) وعلى إقدامها تضع (الحجول أو المداقيق الفضة)، كما كنت أيضا رفيق ( والدي) حين يزور ( قرية وادي الاحروز) للقاء والدته جدتي (رباب سلام) رحمة الله تغشاها،التي عودتنا في كل زيارة بهدية تهديها لي وهي (ديك) من عندها وتقولي هذا ( الديك خلي امك تذبحه غدأك انت واخوتك) ، وذات يوم قالت لي مر خذ حقك الديك من (الدوم) بيت الدجاج.. مريت اخذت من الطارف اللي وجدتها امامي وحين وصلت البيت عرفت إننا اخذت (دجاجة بياضة) حق ( بنت عمي) كانت (أمي) تريد بقائها كي نستفيد من (بيضها) لكن (والدي) رفض، بالمناسبة كان والدي لا يطيق تربية الدجاج بالمنزل اطلاقا.. المهم اكتشفت ( جدتي) إننا اخذت ( الدجاجة حق بنت عمي) التي ظلت تبكي اسبوع على الدجاجة حقها، بعدها حرّمت ( جدتي) تقولي مر خذ حقك الديك بل كانت تسلمنا الديك يد بيد..؟!
من نوادر طفولتي إن ذات مرة ( مرض والدي) واعطيتنا ( امي_ نصف ريال) وطلبت مني أذهب ( لقرية النجد) ( لدكان سالم قائد وثابت قائد، وأحمد قائد ) وهم بالمناسبة _أولاد بنت خال والدي _ واشتري بها ( موز) ل( والدي) ، فاخذت ( البياس) وحين وصلت الدكان بدلا ما أخذ موز للوالد اخذت ب(البياس)
(طماش.. قريح)..؟!
في الطريق رحت افكر أين ساقرح بالطماش؟ بقريتنا أو جنب بيتنا ( أمي سوف تقتلنا) ، جزعت قرية الحرف الأعلى _المقصارة _اطلب عبد الحميد، والا عبد الحكيم، اما اخينا جميل كنت اعرف انه عند جده محمد سالم _رحمة الله عليه _بالدكان براس النقيل بحيفان.. لم أجد احد من أصحابي، وكان هناك دار قديم مهجور ونصف متهالك، كان يسكن فيه ( جد اهل القرية سلام عقلان) قبل قرنين من الزمن تقريبا، دخلت داخل الدار ورحت ( أقرح الطماش) فصحيت اهل _ حرف الأعمور _رجالا ونساء واطفال الذين استغربوا ما يحدث والأصوات تداعت من كل مكان ايش في؟ ومن يقرح؟ وعرس من..؟ ومن ولدت؟ ومن تزوجت ..؟ والعادة أن ( القراح) عندنا بالقرية كان يحدث بالاعراس، أو عند ولادة أحدي النساء ..؟
كان أول الواصلين لعندي جدي احمد سلام _رحمة الله عليه _ خال والدي، ثم جدتي نعمة زوجة ( جدي ذياب) وأم الأخوين منصور وفؤاد ذياب _رحم الله الأول _وحفظ الله واطال بعمر الثاني، والرحمة ل(جدتي نعمة والدتهما) التي سرعان ما راحت تنشر الخبر وان طه أحمد سعيد يقرح بالدار..؟!
كملت ( الطماش) لكني ظليت ازحف نحو بيتنا وخطوة لقدام وثلاث للخلف وافكر ماذا أقول ل(تاج عبده _ أمي) رحمة الله تغشاها، ومسافة الدقائق قطعتها بساعات، ووصلت البيت وأخبرة( امي) اني ما لقيت( موز) بالنجد،وان ( إلبياس) شريت بها ( طماش) تحلفت بي لكنها لم تضربنا لأن ( عمتي يسر شقيقة والدي رحمها الله ، وعمتي مسك زوجة عمي محمد أطال الله بعمرها ) كانتا عندنا في البيت.. وحين ذهبين القيت بنفسي جوار ( أبي) الذي سألنا وحكيت له القصة كما حدثت، وحين سألني لماذا اخترت الدار المهجور لاقرح فيه رديت أن فيه (جن) وانا اشتي اخرجهم على شان نجلس نلعب براحتنا في ( الحول) الذي أمامه ونبعد (قرانيط من القرناطه) التي بجواره، القرناطه هي شجرة (الخروب) وكنا نلعب بالحول ونطلع نقطف القرآنيط وكانت( جدتي نعمة زوجة جدي ذياب) رحمهما الله جميعا_ تقول لنا لا تلعبوا هنا أمام الدار ولا تقطفوا من الشجرة هذه لأنها حق _ الجن _والجن _يسكنوا داخل الدار، يؤمها قررتوا اخرج الجن من ذالك الدار..؟!
يتبع |