الرئيسية  |  الاتصال بنا  |  فيس بوك
ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ - 

ليست مهمة تلك القيم التي نتعلمها، بقدر أهمية تلك التي نصنعها، تلك التي ننتجها عبر فعلنا في الحياة. كثيرون هم من يعيشون حياتهم على قيم صنعها غيرهم، قلائل هم من يصنعون القيم عبر التاريخ   

ليس مهماً إن كان عبدالعزيز عبدالغني  علمانياً أو متديناً، ريفياً

الإثنين, 24-مارس-2025
ريمان برس -


ليست مهمة تلك القيم التي نتعلمها، بقدر أهمية تلك التي نصنعها، تلك التي ننتجها عبر فعلنا في الحياة. كثيرون هم من يعيشون حياتهم على قيم صنعها غيرهم، قلائل هم من يصنعون القيم عبر التاريخ

ليس مهماً إن كان عبدالعزيز عبدالغني علمانياً أو متديناً، ريفياً أو بدوياً أو مدنياً، عبقرياً أو بسيطاً لا يعرف القراءة والكتابة، لأن عبدالعزيز كان صانع قيم، وصُنّاع القيم لا يموتون.

لم يصنع القيم عبر خبرته الطويله ومعرفته الواسعة، أو علمه وتعلّمه وتعليمه الكبير، فقد كان في ايامة الاخيرة يبذل كل جهده من اجل االحفاظ علي اليمن وحقن
دماء ابناءها. عندما قامت احداث الربيع اليمني 2011م كان يسايس الكيان الوطني ويحرس مرماه ، يسائله غاضباً دون ان يجد الأجوبة السليمه ، يقتحمها ولا يصدق قسوتها. كان وقتها يبذل جهود المصالحةالوطنيه بين السلطه والاطراف السياسيه الاخرى من اجل الوصول الى حل يحفظ اليمن كيان وطني موحد بمؤسسات وطنيه وليس بشخوص السياسيين حاول ان ينهي الخلاف ويحقن دماء اليمنيين، يمضي يومه ذهابا واياباً من والى عند الاطراف ، ينبه الجميع عن العاقبه المفجعه التي ستغرق اليمن واليمنيين اذا صمموا اطراف الصراع على ركوب قوارب العناد والانتقام ويسيرون بها في طريق السياسه . من دون أن يعلم أنها ستنقلب إلى تراجيديا ملحمية دامية، وأنه سيكون بطلها المأساوي أو أنه سيموت مثل أبطال المآسي في الأساطير الإغريقية.

لم يصنع قيماً للفكر والتفكير، فعبدالعزيز عبد الغني لم يصنع قيماً بعقله وحسب ، بل ايضا بوجوده ذاتها، لم يصنع المعنى بنظرياته الفلسفية والاقتصاديه والعلمية والأخلاقية، وحسب بل يخلق المعنى بحضوره في الحياه اليمنيه ، بهدؤه، بوطنيته، ، وبتواضعه وبالحياة النابضة في جسده

إيمانه بالوطن لم يكن متعالياً أو مثالياً أو معقداً أو محكوماً بحسابات الربح والخسارة والمجد وكل المفاهيم المركبة. كان إيماناً بديهياً بسيطاً كشربة ماء، واضحاً كأفق مفتوح، قاسياً كشعور القهر، صادقاً كضحكة الأطفال.

لم يكن عبدالعزيز عبدالغني مثلنا، كان حراً من الأيديولوجيا التي حاصرته فخرج منها بلا تنظير ولا اعتذار، حراً من صراع الأفكار العقيمة التي نخشى تصنيفاتها فنلبس قناع الحكمة. ترك وجهه مكشوفاً ومفتوحاً لرياح السياسه، طحنته عواصفها وتناقضاتها وتقلباتها،

لم تكن بوصلة عبدالعزيز عبدالغني هي الله، ولا الجهاد، ولا السلاح، ولا الأحزاب ولاالاشخاص، كانت بوصلته الوطن اليمني ، وطنيته هو بعدما صار روحاً جماعية. شعوره بأحقية الدفاع عن الشعب ضد الاستعلال السياسي ، كان مثل الحقيقة الثابتة أمام عبثية دولاب الزمن، كل الأفكار والأيديولوجيات والمعاني الكبرى كانت تحت قدميه، أدوات غير مفهومة لما هو مفهوم لديه بالحدس، طرق معقدة لطريقه الواضح. لم تثبت تحولاته إلا أنه كالحياة، تتغير وتمضي، تعلو وتهبط، تجري وتتدفق ولا يعنيها سوى هدف واحد، هو خلق المعنى لمن يحيا.

كثيرون رحلوا، كثيرون هاجروا، كثيرون هُجِّروا، كثيرون غادروا بلد لم تعد تشبههم، كثيرون اختاروا طرقاً أخرى للحياة
كثيرون عادوا لمملكة الصمت والهزيمة، كثيرون فضّلوا الأمان على التضحيه ، كثيرون نسوا، كثيرون ماتوا قهراً.. إلا عبدالعزيز عبدالغني ، لم تتغير بوصلته، لم يمت قهراً، لم يرحل إلا ليعود، لم يمت عجزاً، لم يمت صمتاً... مات واقفاً، مات فاتحاً صدره للعدم، مات غير معنيٍّ بالعدم، فالموت وطنيه أيضاً، ولطالما ارتبطت الوطنيه في اليمن بالعدم.

مات بسيطاً كرائحة الخبز، غريباً كإله في الأساطير القديمة، قريباً كخرافة مقدسة أو حكاية من حكايا الجدات. مات من دون أن يسأل ما معنى المعجزات، فقد كان يعيشها، من دون أن تعنيه معاني البطولات، فقد كان يجسّدها، مات مثل موت الله عند نيتشه، عندما لم يعد للأمل قيمة ولا معنى.

تجسّد حكاية عبدالغني كل ما نهرب منه، نحن الناجون الأحياء، الخوف من الموت والبكاء على الموتى، الخوف من الإرهاب والوسم بالخيانه ، الخوف من القتل والقتال والمقتلة، الخوف من الفشل، من انعدام المعنى، من مواجهة انعدام المعنى.. الخوف من قسوة الحرية ولا أمانها في اليمن ، اليمن أرضنا، أرضنا المقبرة.

تجسد حكاية عبدالعزيز عبدالغني حكاية الجمهوريه اليمنيه ، الجمهوريه التي رقصت وتمايلت على ألحان الأمل في البدايات، الجمهوريه التي نزفت أجمل أبنائها في العراء من دون أن يضمّدها أحد، الجمهوريه التي أثارت رائحة دمائها كل ضباع الأرض لتنهش في لحمها الطري، الجمهوريه التي لبست ثوب الجهاد عندما تُركت عارية أمام عين التاريخ الوقحة، والقادمين من أصقاع التاريخ، الجمهوريه الباقية رغم أنف التاريخ وضداً من ميوله الفاشية، ميوله التي يحركها اليوم أتفه مشرف حوثي متسلط في التاريخ المعاصر من مشارق الأرض إلى مغاربها.

المجد والسلام لروح اليمن ، المجد للشهيد عبد العزيز عبدالغني..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
24/3/2025م

*كاتب.. وباحث يمني

أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS

مختارات
جميع حقوق النشر محفوظة 2025 لـ(ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½)