ريمان برس -
هناك أحداث اتذكرها عن طفولتي لكني أعجز عن تحديد ازمنتها لكنها لم تغيب عن ذاكرتي منها إني نمت ذات يوم وفي الصباح وجدت عند راسي ( بدلة جديدة) لم أعهد مثلها ولم ارتدي مثلها من قبل أنا وكل أطفال القرية من الملابس عبارة عن (هدره) أو (ثوب مقلم أبيض مخطط بخطوط كحلية أو زرقاء) و(كوفية حياكة محلية) إذ كانت في قريتي وفي كل قري ( ناحية القبيطة حيفان) نساء تخصصين بخياطة الكوافي _ حياك بأيديهن، والمؤسف أن الظاهرة أختفت وكانت تشكل جزءا من تراثنا الثقافي _ في ذاك الصباح وجدت نفسي ولأول مرة ارتدي (بنطلون وقميص) كان البنطلون أبو (حمالة ) مثبته على خلفية البنطلون بشكل عكسي أي بشكل أكس ثم تمر عبر الأكتاف وتمسك البنطلون من المقدمة، كان البنطلون يستر الي فوق الركبة، ويعبر عن موضة ذلك الزمن وقميص نصف كم، كانت أول مرة بحياتي ارتدي مثل تلك الملابس التي حصلتها هدية من المرحوم _ محمد سعيد زيد_ والد الأخوة _ عبد الحميد، وعبد الباقي _ العائد من كينيا، _ رحمة الله تغشاه وتسكنه الجنة_ كانت تلك الزيارة هي اخر عهده بالقرية إذ عاد إلى ( كينيا) ولم يعود للقرية وقيل إنه توفي هناك وظلت أسرته والدته ( جدتي نعيم سالم _ وزوجته العمة عيشة_ ووالده جدي سعيد زيد _رحمة الله تغشاهمم جميعا،_ وأولاده الأخوة عبد الحميد وعبد الباقي محمد سعيد، وكل اهل القرية غير مصدقين بوفاته وعاشوا وعشنا وعاشت القرية تنتظر عودته ولكنه لم يعود..!
واقعة أخرى كنت ألعب أمام بيتنا ثم فجأة وقف أمامي رجل لم يسبق لي أن رأيت مثله، كان يختلف عن كل الناس الذين عرفتهم والذين اشاهدهم كان راكب على ظهر (حمار أبيض كبير ) و كان الراجل نفسه كبير وسمين وذو وجه ابيض مزين بلحية بيضاء، وعلى راسه ( دسمال) يرتدي ثوب أبيض وكوت أسود، كان يختلف عن كل الناس، كان خلفه بعض الرجال لكنهم لا يشبهوه، وقفت أمامه مشدودا لدرجة الذهول صامت فقط اتامله.. ربما أدرك هو ذهولي ودهشتي، فبادرنا بقوله بن من انت أبني؟ رديت بن أحمد سعيد زغير، أبتسم، ورد أنت بن أحمد سعيد؟ رديت نعم، أيش اسمك؟ اسمي طه، أين أبوك؟ أبي مسافر بالحديدة، أين أمك؟ أمي داخل، طيب أدخل قلها في واحد يشتي ماء، دخلت مهرولا لعند أمي وبلغتها بطلب الراجل الذي (حماره) أكبر من (حمار عمي محمد)، أخرجت أمي (الكوز حق الماء، أو القلة) كانت حينها الأدوات الفخارية هي الطاغية في كل منازل اهل القرى لم نكن نعرف الخزانات بل (المقاهر) والمقهر هو اناء فخاري تخزن فيها مياه الشرب داخل المنازل، كما تجد في كل (زولي _الحمام _أو المِطهر) (زير أو مقهر) و (الزير) إناء فخاري أكبر يتسع لأكثر من (50 لتر من المياه)..
خرجت (أمي) بكوز الماء و( الفنجان الحيسي) لتسقي الضيف العابر، الذي كان قد نزل من ( ظهر حماره الكبير ) فوجدت أمي ترحب به وتدعي له الله أن يحفظه وان يوفقه وأنا اوزع نظراتي بينهما، دار بينهما حديث لبعض الوقت قبل أن تلتفت أمي وتقولي هذا شيخنا هذا الشيخ عبد الرحمن قاسم العريقي، الذي سألنا أن كنت أعرف خالي عبد الحافظ، فأجبته بنعم، أخرج من جيبه قطعة معدنية ووضعها بيدي ومرر كفه على راسي وواصل طريقه نازلا باتجاه الوادي ذهبت بعده اشاهده وظليت في سقف سقاية عمي محمد حتى غاب عن نظري في قرية الجازعة أسفل الجبل، وكأن موكبه يزداد كلما مر في القرى الواقعة على طريقه..
عدت البيت وقدنا مغسل بالعرق بسبب (جلوسي بين الشمس) أشاهد موكب الشيخ..
في البيت عرفت من أمي أن الشيخ أعطانا (ريال فرنصي ماريا ترىزا) وعرفت لأول مرة أن هناك (بغال وهناك خيول، وأن الشيخ كان راكب على (بغلة) وليست حمار وعرفت يؤمها أن الشيخ نازل إلى ( قرية الخلب) لحل مشكلة بين العم حاجب عبد الله، والعم ثابت فاضل، وهما من ظل خلافهما وشريعتهما لعقود..
رحم الله كل من ذكرت أسمائهم وقد توفاهم الله واسكنهم فسيح جناته بالفردوس الأعلى مع الأنبياء والرسل والشهداء والصديقين بحق حرمة وكرامة وعظمة هذه الليالي المباركة.. وحفظ الله واطال بعمر كل من وردت أسمائهم ولايزالوا على قيد الحياة.
يتبع |