ريمان برس -
أتذكر ذات يوم عم الحزن قريتي والقرى المجاورة وناحية القبيطة وربما منطقة الحجرية وكان الحدث الجلل هو نباء وفاة المغفور له الشيخ عبد الرحمن قاسم العريقي، ورأيت الدموع تذرف من عيون (أمي) وجدتي (مريم سنان) خالة أبي وأم أعمامي محمد سعيد وعبد المؤمن سعيد، ورأيت الناس يمرون من أمام بيتنا متجهين نحو منزل الشيخ في (الأوماد _قرية الأغابرة بحيفان) ومنهم من أتجه إلى (نوبة شرحان _بالقرب من قرية الرجيمة) حيث كان منزل ومقر الشيخ القديم قبل أن ينتقل إلى قرية (الأوماد) حيث كانت تقيم أسرته الثانية، فيما بقي ولده الشيخ محمد عبد الرحمن مقيم ب( دار نوبة شرحان)، في صباح اليوم التالي رافقت والدي وجمعا من أهالي قري الأعمور، ووادي شعيب،وكأن الجد ناشر محمد الفقيه الذي يقرينا ضمن المتجتمعين، ومعه المرحوم ثابت عبده، والمرحوم على عبد الجليل، والمرحوم هائل ناشر، والمرحوم عبد الفتاح ناشر، والمرحوم عبد المجيد ناشر، وهؤلاء من كنت اعرفهم وكان هناك آخرين قدموا من قرى حلامه، ومضيض، والعرين، وفي (صفاء قمال) تجمع الناس، وانطلقواسيرا على الأقدام كان الكبار حزانا والصغار لا يدركون شيئا سوي إنهم يرافقوا ابائهم غير أني كنت قد عرفت من أمي وأبي أن الشيخ الذي مرا ذات يوم من أمام بيتنا ورايته راكب (البغلة) واخرحت له( أمي ( الماء واعطانا قطعة معدنية قد توفاه الله وانه أنتقل إلى جوار ربه مثل ( أخي سعيد) الذي سبقه وراح إلى جوار ربه وظليت أبكي عليه حتى أقنعتني ( أمي) إنها ستجيب لي أخ بدله..؟!
مرينا عن طريق _ نقيل العان _ ثم قرية _ذؤاب _حتى وصلنا إلى مكان أعلى محطة المرحوم عبد الرؤف الحالية _ في مفرق الخيدش _ ومن هناك شاهدنا ( قرية الأوماد) كان الوقت قبل الظهر تقريبا لا اتذكر وكل ما اتذكره هو أني شاهدت جموع غفيرة تملي القرية والشعاب، وقفنا نشاهد المشيعيين، قبل أن يقرر والدي ومعه بعض وجهاء القرية والقرى المجاورة العودة، وكنت اعتقد إننا سنعود لبيوتنا لكن والدي واصحابه اعادونا إلى (صفاء قمال) ثم طلب مني ( ابي) العودة للبيت كما طلب بقية الاباء من أبنائهم العودة لبيوتهم، فعلا عدنا نحن الأطفال لبيوتنا فيما الكبار ذهبوا لتقديم واجب العزاء في منزل الشيخ بنوبة شرحان.
كان لوالدي علاقة قوية ومتينة بالشيخ عبد الرحمن قاسم _رحمة الله تغشاه _ سوف استعرض تفاصيلها لاحقا _
خيم الحزن طويلا على أهالي تلك القرى برحيل الشيخ عبد الرحمن قاسم، الذي كان واجهة للمنطقة ومرجعية وجاهية كبيرة يلجي إليه الجميع، وكأن ذات ثقل ومكانة عند الدولة والمجتمع، وكأن مسؤلا عن (جمرك المفاليس) الرابط بين شمال الوطن وجنوبه، وهو من كلفه النظام الإمامي بتحمل مسؤلية ترسيم الحدود بين الشمال وقوي الاحتلال البريطاني التي كانت تسيطر على الجنوب وكانت علاقته مع كل أعيان ووجهاء ناحية القبيطة وقضاء الحجرية، علاقة إخوة ومؤدة ووئام ومعا كانوا يتصدون لكل القضايا مهما كانت، فالكبيرة عندهم تصغر، والصغيرة تدفن دون ألم.. وكان إلى جانب المرحوم الشيخ عبد الحق الاغبري يشكلوا معا اعمدة راسخة وصنعوا معا علاقة متوازنة بين الدولة والمجتمع ومكانتهم الاجتماعية منحتهم طاقة كبيرة في احتوى الفتن والتداعيات وعززوا علاقتهم بالدولة بشطريها والمجتمع الذي تحملوا رحمة الله عليهم مسؤلياته بجدارة واقتدار، بل أن الشيخ عبد الحق الاغبري امتدت علاقته الي خارج الجغرافية الوطنية، إلى أفريقيا وله قصة مع الزعيم جمال عبد الناصر حين زار مدينة تعز، ومن وصفه المشير السلال بأنه الشيخ الوحيد الذي يعطي الدولة ولاياخذ منها.
تزامن رحيل الشيخ عبد الرحمن مع تزايد الخلافات السياسية بين صنعاء وعدن، ومع بدء نشاط سياسي ( جبهوي) لم تسلم_ ناحية القبيطة والحجرية_ من تبعاته، إذ بدأ جيل من أبناء_ القبيطة وكل الحجرية_ و_محافظة تعز _ يتطلعون للحرية والعدالة ولوطن تسوده المواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية، جيل تشبع بثقافة سياسية وبمعتقدات ايديلوجية وقناعة استوطنتهم توهموا من خلالها انهم قادرين على تغير الواقع، كما توهموا أن أحلامهم في التغير لا يمكن أن تتحقق إلا بتهميش وازاحة وجهائهم وكبرائهم وشيوخهم عن طريقهم، وكأنت البداية الخاطئة التي أوصلتنا إلى الخطيئة التي نجني ثمارها اليوم فتن وتمزق وصراعات دامية..!
ترك رحيل الشيخ عبد الرحمن قاسم فراغا في حياة المنطقة وأبنائها ولا شك في هذا، بدليل تداعيات الأحداث التي تتالت في المنطقة بعد رحيله رغم الأدوار الإيجابية التي لعبها الشيخ علي عبد الحق الاغبري والمرحوم الحاج هائل سعيد أنعم، والمرحوم الحاج عبد القوي عثمان، وآخرين من وجهاء ورموز ناحية القبيطة والحجرية، الذين لعبوا أدوار محورية في التخفيف من تداعيات تلك المرحلة التي تزامنت مع تفجر حرب بين الشطرين كانت ناحية القبيطة وكل الحجرية التي كانت جغرافيتها مسرحا للفعل ورد الفعل، حرب صنعتها القناعات السياسية والحزبية، تداخلت أسبابها وكذلك مبرراتها وأهدافها، وفي المحصلة لم يجني منها أحدا غير الذكريات الدامية التي ظلت عالقة في ذاكرة الجميع.
يتبع |