ريمان برس -
شهدت المنطقة جريمة اغتيال القاضي شاهر داؤد وهي في ذروة القلق جراء حرب الشطرين والتوترات بين النخب السياسية شمالا وجنوبا، وتوتر يعيشه الناس في كل القرى وفي كل أنحاء الحجرية من القبيطة إلى ذوباب في باب المندب، كان القلق يستوطن الجميع.
ذات ليلة من ليالي حياتي الطفولية نمت في ( غرفة السفل) الوحيده التي كانت تجمعنا جميعا ( أبي وأمي وانا واخواني) ، فيما ( السفل) المجاور مخصص ( للبقرة عزاقة) لكن في الصباح صحيت وفؤجئت إننا ب( السقف) والوالد يتناول ( القهوة) والسقف مليان رجال واطفال بعمري، للوهلة الأولى شعرت إننا في بلاد أخرى غير بلادي وفي قرية أخرى غير قريتي وفي بيت غير بيتنا، قبل أن أعرف أن كل سكان ( قري العرين، والمنصبة، والحضر، وحتي قرية الأحقاف العليا) قد نقلوا جميعا ليلا وأصبحوا في بيتنا، لكن بعد ذلك عرفت أن بيوت القرية وسقوفها مليانه بالرجال والنساء والأطفال، تنقلت من بيتنا الي بيوت أعمامي وبيت (جدتي مريم سنان) وحتى _ بيت ثابت أحمد درويش _ في أعلى القرية، كما كان هناك آخرين عند( العراقي) في أعلى الجبل.. كانت البيوت مليانه، كانت النساء داخل البيوت والرجال في السقوف، وشاهدت رجال محتزمين ب( أحزمة الرصاص) و يحملون بنادق، وعرفت يؤمها أن حملة عسكرية خرجت ضد ( قري العرين) شاهدت من قريتنا حريقا حدث في أحدى الدور بقرية العرين دار ( عبد الرحمن شاهر) وعرفت أن الحكومة أخرجت حملة على خلفية اغتيال _ القاضي شاهر داؤد _رحمة الله تغشاه _ وأن هناك آخرين مطلوبين من أبناء المنطقة على ذمة القضية، أتذكر جيدا يؤمها أن و(الدي) وعمي أحمد عبد الرقيب عوهج _زوج عمتي _رحمهما الله جميعا كانا يتحدثان في (الحول _أو الكلي ) الواقعة أمام بيت (جدتي مريم سنان _منزل الأخ عبده محمد سعيد _ حاليا _وكان والدي المتألم من اغتيال القاضي شاهر داؤد، مقتنع أن هناك مؤامرة يدفع ثمنها أبناء المنطقة والمنطقة وأن الأمر ابعد من مجرد جريمة قتل وأن الحملة التي خرجت للمنطقة أبعادها أكثر بكثير من أهدافها المعلنة، وأن مرحلة سياسية بدأت تجسد حالة تصفية حسابات بين _ صنعاء _و _عدن _ بعد أحتوي المواجهات بينهما وكانت _ناحية القبيطة _وحيفان وقراها _تحديدا _في قلب العاصفة وقد لعب وجهاء واعيان _حيفان _دورا محوريا في تجنيب _حيفان _ويلات ذاك الصراع _حرب 1972_ وكان في المقدمة من هؤلاء المرحوم الحاج عبد القوي عثمان، والمرحوم الشيخ عبد الحق الاغبري ونجله الشيخ علي عبد الحق، والمرحوم الحاج هائل سعيد أنعم، والشهيد المرحوم عبد العزيز عبد الغني، والرائد منصور عبد الجليل عبد الرب، والشيخ محمد عبد الرحمن قاسم العريقي، والشيخ على عبد الجليل العبسي، والشيخ عبد الرحمن سعيد العامري، والعديد من رموز حيفان الذين بذلوا جهودا جبارة في تجنيب المنطقة وتحويلها إلى مسرح للعمليات العسكرية بين قوات الشطرين واتباعهما، وكأن للحاج المرحوم عبد القوي عثمان دورا في إقناع قادة قوات الشمال بالتراجع والانسحاب الي ( مدينة الراهدة) متعهدا بحماية المنطقة وأن لا تكون مسرحا لعمليات عسكرية من أي طرف..
وبقدر ما كانت جريمة اغتيال القاضي شاهر داؤد، جريمة هزت المنطقة واربكت سكينتها، كانت الحملة العسكرية ( لقرية العرين) التي قادها الرئيس الأسبق ( صالح) جريمة مركبة لأنها حملت معها بداية مرحلة إستفزازية للأجهزة الأمنية بقيادة ( محمد خميس) وأدواته، الذين اتخذوا من الحادثة ذريعة لنشر (عسسهم) في كل قري ناحية القبيطة وفي المقدمة منطقة _ حيفان وقراها وعزلها _في محاولة من (خميس) كما قال (إجتثاث بذور الفتنة من جذورها) وكان يرى في حيفان وعزلها ولكل منطقة الحجرية ( بؤرة خبيثة و مسرحا لتحرك خصوم نظام صنعاء ) وأنهم موالون _ لنظام الجنوب_ رابطا بين وجود المناضل عبد الفتاح إسماعيل في مفاصل السلطة في جنوب الوطن إلى جانب العديد من أبناء القبيطة وحيفان والحجرية ممن كانوا إلى جانبه في مفاصل السلطة في جنوب الوطن، أضف الي ذلك الحراك الجبهوي الذي بدأ يتوسع في ( المناطق الوسطى) ومناطق (شرعب) ومع هذا وذاك كان الحراك السياسي وحالة الاحتقان الذي يتفاعل في مفاصل المؤسسة العسكرية والأمنية في صنعاء وفي أوساط النخب السياسية والاجتماعية على امتداد الجغرافية الشمالية، وكل هذا كان ينسب لتدخلات السلطة في الجنوب، مع أن الأمر كان متصل بتداعيات أحداث اغسطس 1968م التي أدت إلى تصفية النقيب عبد الرقيب عبد الوهاب وما تبع عملية تصفيته من حملة تطهير لكوادر عسكرية وأمنية من مؤسسة الجيش والأمن غالبيتهم كانوا من أبناء الحجرية بصفة خاصة وتعز بصفة عامة..؟!
المؤسف أن هذا التقييم أو الرؤية التي نظرت بها أجهزة _صنعاء _لم يستوعب ابعادها ليس النشطاء من أبناء القبيطة وحيفان والحجرية، بل لم يستوعب ابعادها كل أبناء تعز واليمن الذين كان لهم مواقف وتحفظات من نظام (5 نوفمبر وعهده) وتذمرهم من نفوذ (القبيلة) و هيمنتها على القرار السياسي في صنعاء، وأكبر أخطاء هؤلاء الناشطين إنهم عملوا على تجاوز مرجعياتهم الوجاهية ورموزهم المشائخية والاجتماعية التي كانت بدورها تخوض معركتها مع نظام 5 نوفمبر ولكن على طريقتها، ومن أخطاء أولئك النشطاء انهم لم يعملوا على تأسيس حاضنة اجتماعية وشعبية تكون لهم سندا وحامية اجتماعية، بل ذهبوا في اعتماد سياسة عدائية وتنكر لرموزهم الوجاهية وأظهروهم أمام الدولة بالعاجزين الغير قادرين على القيام بأدوارهم، كما اظهروا خصومتهم للجميع الدولة والرموز الاجتماعية في آن فمنحوا بهذا السلوك الذي سلكوه _ شرعية للأجهزة الأمنية _لتستبيح كل تلك النطاقات الجغرافية بذريعة تحقيق الأمن..؟!
كان من قريتي وحدها أكثر من مسؤل عسكري وأمني تركوا مناصبهم في صنعاء ووجدوا أنفسهم مجبرين بين الموت في صنعاء أو الإعتقال والإخفاء القسري وحدث هذا لكثيرين من زملائهم، وتزامنا مع هذا الفجور السياسي الذي تميزت فيه علاقة ( ثلاثي الحركة الوطنية _ الناصرين _واليسار الماركسي _والبعث) الذين كانوا جميعهم منبوذين من ( سلطة القبيلة) وحلفائها الإقليميين، فيما القاضي الإرياني الذي يقف على رأس الهرم بدوره يقف عاجزا أمام حراك سياسي وأمني وعسكري واجتماعي مركب ومعقد، أطرافه (ثلاثي الحركة الوطنية) من جهة والنفوذ القبلي من ناحية أخرى، كان (الناصرين) على خلاف مع (الماركسيين) ومع (البعث) وكان (الماركسيين) مختلفين مع الجميع دون إستثناء سلطة وقبيلة واحزاب ومكونات سياسية ورموز وجاهية واجتماعية، وكأن (البعث _حليف للقبيلة _والسلطة) دون أن يحصل بالمقابل على ثمن مواقفه..؟!
من نشطاء قريتي كان العقيد عبد الله عبد العليم.. عبد الرحمن شاهر.. عبد العزبز مغلس.. شائف محمد عبده حيا.. شائف قائد.. عبد العزيز شائف الاغبري، الذي كان مديرا لإذاعة صنعاء عام 1967م وأول صوت اعلامي ثم تم تهميشه وتحول إلى مقدم ( لبرنامج ما يطلبه المستمعين) ولم يتم إنصافه حتى توفاه الله.. رحم الله كل الراحلين ممن ذكرتهم واسكنهم فسيح جناته والعمر المديد لكل الأحياء ممن وردت أسمائهم في هذه الحلقة.
يتبع |